كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{إن إلهكم} أي: الذي اتخذتم من دونه آلهة {لواحد} إذ لو لم يكن واحدًا لاختل هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة وما يترتب عليها فكان غير حكيم، فإن قيل: ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجهين:
الأول: أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو الكافر، فالأول باطل؛ لأن المؤمن مقرّ به من غير حلف.
والثاني: باطل أيضًا؛ لأن الكافر لا يقرّ به سواء حصل الحلف أو لم يحصل فهذا الحلف عديم الفائدة على كل تقدير، الثاني: أنه يقال أقسم في أول هذه السورة على أن الإله واحد وأقسم في أول سورة الذاريات على أن القيامة حق، فقال: {والذاريات ذروًا} إلى قوله: {إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع}.
وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف لا يليق بالعقلاء؟
أجيب: عن ذلك بأوجه:
أولها: أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في غالب السور بالدلائل اليقينية، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم تأكيدًا لما تقدم لاسيما والقرآن أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب.
ثانيها: أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل: إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة.
ثالثها: أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشيائ على صحة قوله تعالى: {إن إلهكم لواحد}.
عقبه بما هو الدليل اليقيني في كون الإله واحد، وهو قوله تعالى: {رب} أي: موجد ومالك ومدبر {السموات} أي: الأجرام العالية {والأرض} أي: الأجرام السافلة {وما بينهما} أي: من الفضاء المشحون بما يعجز عن عده القوي، وذلك؛ لأنه تعالى بين في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}.
أن انتظام أحوال السموات والأرض يدل على أن الإله واحد فههنا لما قال: {إن إلهكم لواحد} أردفه بقوله: {رب السموات والأرض وما بينهما} كأنه قيل: بينا أن النظر في انتظام هذا العالم يدل على أن الإله واحد فتأملوا ليحصل لكم العلم بالتوحيد.
تنبيه:
علم من قوله تعالى: {وما بينهما} أنه تعالى خالق لأعمال العباد؛ لأن أعمالهم موجودة فيما بين السماء والأرض وهذه الآية دلت على أن كل ما حصل بين السماء والأرض، فالله ربه ومالكه وهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله تعالى، فإن قيل: الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السماء والأرض؛ لأن هذا الوصف إنما يكون حاصلًا في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك؟
أجيب: بأنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السماء والأرض فهي أيضًا حاصلة بين السموات والأرض {ورب المشارق} أي: والمغارب وجمعها باعتبار جميع السنة فإن الله تعالى خلق للشمس ثلاث مئة وستين كوة في المشرق وثلاثمئة وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها وتغرب في كوة منها لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها إلى ذلك اليوم من العام المقبل.
وقيل: كل موضع أشرقت عليه الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه فهو مغرب كأنه أراد جميع ما أشرقت عليه الشمس.
وقيل: المراد بالمشارق مشارق الكواكب ومغاربها؛ لأن لكل كوكب مشرقًا ومغربًا، فإن قيل: إن الله تعالى قال في موضع {رب المشرق والمغرب}.
وقال في موضع آخر {رب المشرقين ورب المغربين}.
فما الجمع بين هذه المواضع؟
أجيب: بأن المراد بقوله: {رب المشرق والمغرب} الجهة فالمشرق جهة والمغرب جهة وبقوله تعالى: {رب المشرقين ورب المغربين} مشرقا الشتاء والصيف ومغربا الشتاء والصيف وأما موضع الجمع فقد مر. فإن قيل: لم اكتفى بذكر المشارق؟
أجيب: بوجهين.
الأول: أنه اكتفى به كقوله تعالى: {تقيكم الحر}.
والثاني: أن الشروق أقوى حالًا من الغروب وأكثر نفعًا منه فذكر المشرق تنبيهًا على كثرة إحسان الله تعالى على عباده ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام بقوله: {إن الله يأتي بالشمس من المشرق} {إنا زينا} أي: بعظمتنا التي لا تدانى {السماء} ولما كانوا لا يرون إلا ما يليهم من السموات وكانت زينة النجوم ظاهرة فيها قال تعالى: {الدنيا} أي: التي هي أدنى السموات إليكم {بزينة الكواكب} أي: بضوئها كما قاله ابن عباس أو بها، وقرأ عاصم وحمزة بزينة بالتنوين، والباقون بغير تنوين والإضافة للبيان كقراءة تنوين بزينة المبينة بالكواكب ونصب الياء الموحدة من الكواكب شعبة، وكسرها الباقون.
فإن قيل: قد ثبت في علم الهيئة أن هذه الكواكب الثوابت مركوزة في الكرة الثامنة وأن السيارات مركوزة في الكرات الستة المحيطة بسماء الدنيا فكيف يصح قوله تعالى: {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب}؟
أجيب: بأن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إن نظروا إلى السماء الدنيا فإنهم يشاهدونها مزينة بهذه الكواكب فصح قوله تعالى: {إنا زينا السماء بزينة الكواكب} وقوله تعالى: {وحفظًا} منصوب بفعل مقدر أي: حفظناها بالشهب أو معطوف على زينة باعتبار المعنى، كأنه قال: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء الدنيا وحفظًا {من كل شيطان} أي: بعيد عن الخير محترق {مارد} أي: عات خارج عن الطاعة.
ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته استأنف قوله تعالى: {لا يسمعون} أي: الشياطين المفهومون من كل شيطان {إلى الملأ الأعلى} أي: الملائكة أو أشرافهم في السماء، وعدى السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة لنفيه وتهويلًا لما يمنعهم عنه، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص بفتح السين وتشديدها وتشديد الميم من التسمع وهو طلب السماع، وقرأ الباقون بسكون السين وتخفيف الميم {ويقذفون} أي: الشياطين يرمون بالشهب {من كل جانب} أي: من آفاق السماء وقوله تعالى: {دحورًا} مصدر دحره أي: طرده وأبعده وهو مفعول له، وقيل: هو جمع داحر نحو قاعد وقعود فيكون حالًا بنفسه من غير تأويل، وقيل: غير ذلك {ولهم} أي: في الآخرة {عذاب} غير هذا {واصب} أي: دائم، وقال مقاتل: أي: دائم في الدنيا إلى النفخة الأولى وقوله تعالى: {إلا من خطف} فيه وجهان: أحدهما: أنه مرفوع المحل بدلًا من ضمير لا يسمعون وهو أحسن؛ لأنه غير موجب. والثاني: أنه منصوب على أصل الاستثناء، والمعنى: أن الشياطين لا يسمعون الملائكة إلا من خطف، وقوله تعالى: {الخطفة} مصدر معرف بأل الجنسية أو المعرفة ومعنى اختطف اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقة {فاتبعه} أي: لحقه {شهاب} أي: كوكب {ثاقب} أي: مضيء قوي لا يخطئه يقتله أو يحرقه أو يثقبه أو يخبله.
تنبيه: هاهنا سؤالات:
أولها: أن هذه الشهب التي يرمى بها هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا؟ والأول: باطل؛ لأنها تبطل وتضمحل فلو كانت تلك الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء ولم يوجد ذلك فإن أعداد كواكب السماء باقية لم تتغير البتة، وأيضًا فجعلها رجومًا للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء الدنيا فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض، وإن كانت هذه الشهب جنسًا آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهو أيضًا مشكل؛ لأنه تعالى قال في سورة الملك {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشيطانين} فالضمير في قوله: {وجعلناها} عائد على المصابيح فوجب أن تكون تلك المصابيح هي المرجوم بها بأعيانها.
ثانيها: كيف يجوز أن تذهب الشياطين حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم البتة؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الفعل من عاقل؟ فكيف من الشياطين الذين لهم مزية في معرفة الحيل الدقيقة؟.
ثالثها: دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلًا قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك ترى الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه، وإذا ثبت أن ذلك كان موجودًا قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم امتنع حمله على مجيء النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعها: الشيطان مخلوق من النار كما حكى عن قول إبليس لعنه الله تعالى: {خلقتني من نار}.
وقال تعالى: {والجان خلقناه من قبل من نار السموم}.
ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار؟.
أجيب عن الأول: بأن هذه الشهب غير تلك الكواكب الثابتة وأما قوله تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين}.
فنقول: كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد ومنها ما لا يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجومًا للشياطين إلى حيث يعلمون وبها يزول الإشكال.
وعن الثاني: بأن هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب ندرتها بين الشياطين وأجاب أبو علي الجبائي: بأن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى موضع الملائكة ومواضعها مختلفة، فربما صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب، وربما صاروا إلى غيره ولا صادفوا الملائكة ولا تصيبهم الشهب، فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعض الأوقات جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنها لا تصيبهم الشهب فيها، كما يجوز فيمن سلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة، وفي جواب أبي علي نظر: إذ ليس في السماء موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد.
وعن الثالث: بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لكن بقلة، ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقعت بكثرة فصارت بسبب الكثرة معجزة.
وعن الرابع: بأن الشياطين ليسوا من نار خالصة وعلى التنزل بأنهم من النيران الخالصة إلا أنها نيران ضعيفة ونيران الشهب أقوى حالًا منهم فلا جرم صار الأقوى مبطلًا للأضعف، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا وضع في النار القوية فإنه ينطفئ؟ فكذلك ههنا.
ولما كان المقصود الأعظم من القرآن إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيات والمعاد والنبوات وإثبات القضاء والقدر افتتح الله سبحانه هذه السورة بإثبات ما يدل على الصانع وعلى علمه وقدرته وحكمته ووحدانيته، وهو خالق السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق والمغارب، ثم فرع عليها إثبات الحشر والنشر والقيامة وهو أن من قدر على ما هو أشق وأصعب وجب أن يقدر على ما هو دونه، وهو قوله تعالى: {فاستفتهم} أي: سل كفار مكة أن يفتوك بأن يبينوا لك ما تسألهم عنه من إنكارهم البعث وأصله من الفتوة وهي الكرم {أهم أشد} أي: أقوى وأشق وأصعب {خلقًا} أي: من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها {أم من خلقنا} أي: من الملائكة والسموات والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب.
تنبيه:
في الإتيان بمن تغليب للعقلاء وهو استفهام بمعنى التقرير أي: هذه الأشياء أشد خلقًا كقوله تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس}.
وقوله تعالى: {أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها}.
وقيل: معنى أم من خلقنا أي: من الأمم الماضية؛ لأن لفظ من يذكر لمن يعقل؛ والمعنى: أن هؤلاء الأمم ليسوا بأحكم خلقًا من غيرهم من الأمم الخالية وقد أهلكناهم بذنوبهم فمن الذي يؤمن هؤلاء من العذاب {إنا خلقناهم} أي: أصلهم آدم بعظمتنا {من طين} أي: تراب رخو مهين {لازب} أي: شديد اختلاط بعضه ببعض فالتصق وخمر بحيث يعلق باليد وقال مجاهد والضحاك: منتن فهو مخلوق من غير أب ولا أم وقرأ حمزة والكسائي: {بل عجبت} بضم التاء والباقون بفتحها، أما بالضم فبإسناد التعجب إلى الله تعالى وليس هو كالتعجب من الآدميين كما قال تعالى: {فيسخرون منهم سخر الله منهم}.
وقال تعالى: {نسوا الله فنسيهم}.
فالعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه، والعجب من الله تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذم وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما في الحديث: «عجب ربكم من شاب ليست له صبوة» وفي حديث آخر: «عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم» قوله الكم الألّ أشد القنوط.
وقيل: هو رفع الصوت بالبكا، وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: إن الله تعالى لا يعجب من شيء ولكن وافق رسوله صلى الله عليه وسلم فلما عجب رسوله قال تعالى: {وإن تعجب فعجب قولهم}.
أي: هو كما تقوله، وأما الفتح فعلى أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: عجبت من تكذيبهم إياك.
{ويسخرون} أي: وهم يسخرون من تعجبك قال قتادة: عجب نبي الله صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل ومن ضلال بني آدم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن كل من سمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا به عجب من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {بل عجبت ويسخرون}.
{وإذا ذكروا} أي: وعظوا بالقرآن {لا يذكرون} أي: لا يتعظون.
{وإذا رأوا آية} قال ابن عباس وقتادة: يعني انشقاق القمر {يستسخرون} أي: يستهزئون بها وقيل: يستدعي بعضهم من بعض السخرية.
{وقالوا إن} أي: ما {هذا إلا سحر مبين} أي: ظاهر في نفسه ومظهر لسخريته ثم خصّوا البعث بالإنكار إعلامًا بأنه أعظم مقصود بالنسبة إلى السحر فقالوا مظهرين له في مظهر الإنكار:
{أءذا متنا} وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم لشدة الإنكار فقالوا {وكنا} أي: كونًا في غاية التمكن {ترابًا} وقدموه؛ لأنه أدل على مرادهم؛ لأنه أبعد عن الحياة {وعظامًا} كأنهم جعلوا كل واحد من الموت أو الكون إلى الترابية المحضة والعظامية المحضة والمختلطة بهما مانعًا من البعث، وهذا بعد اعترافهم بأن ابتداء خلقهم كان من التراب، ثم كرروا الاستفهام الإنكاري على قراءة من قرأ به كما سيأتي بيانه زيادة في الإنكار فقالوا {أئنا لمبعوثون}.